ابن الجوزي

26

صفة الصفوة

قلت : فما فعل بشر بن منصور ؟ قالت : بخ بخ أعطي واللّه فوق ما كان يأمل . قالت قلت : فمريني بأمر أتقرب به إلى اللّه عزّ وجل . قالت عليك بكثرة ذكره ، أو شك أن تغتبطي بذلك في قبرك . قلت « 1 » : اقتصرت ههنا على هذا القدر من أخبار رابعة لأني قد أفردت لها كتابا [ جمعت ] فيه كلامها وأخبارها . 589 - عجردة العمية رجاء بن مسلم العبدي قال : كنا نكون عند عجردة العمية في الدار . قال : فكانت تحيي الليل صلاة . وربما قال : تقوم من أول الليل إلى السحر « 2 » فإذا كان السحر نادت بصوت لها محزون : إليك قطع العابدون دجى « 3 » الليالي بتبكير الدلج إلى ظلم الأسحار يستبقون إلى رحمتك وفضل مغفرتك ، فبك إلهي لا بغيرك أسألك أن تجعلني في أول زمرة « 4 » السّابقين إليك ، وأن ترفعني إليك في درجة المقربين ، وأن تلحقني بعبادك الصالحين ، فأنت أكرم الكرماء ، وأرحم الرحماء ، وأعظم العظماء ، يا كريم . ثم تخر ساجدة فلا تزال تبكي وتدعو في سجودها حتى يطلع الفجر فكان ذلك دأبها ثلاثين سنة . عبد الرحمن بن عمرو الباهلي قال : حدثتني دلال بنت أبي المدلّ قالت : حدثتني أمي آمنة بنت يعلى بن سهيل قالت : كانت عجردة العمية تغشانا فتظل عندنا اليوم واليومين . قالت : فكانت إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنّعت ثم قامت إلى المحراب فلا تزال تصلي إلى السحر ثم تجلس فتدعو حتى يطلع الفجر . قالت : فقلت لها ، أو قال لها بعض أهل الدار : لو نمت من الليل شيئا . فبكت وقالت : ذكر الموت لا يدعني أنام .

--> ( 1 ) أي قال المصنف . ( 2 ) السحر : قبيل الصبح . ( 3 ) قال الأصمعي : دجا الليل إن هو ألبس كل شيء وليس هو من الظلمة . ( 4 ) الزمرة : الجماعة .